سر مسجد أيوب سلطان
17 جمادى الآخرة 1447 - Eyüp Sultan Camii

جامع أيوب سلطان، باعتباره أحد أقدس الأماكن في إسطنبول، احتضن أسراراً لا تُحصى عبر القرون. في هذا المقال، نشارككم أسرار الجامع المعروفة وغير المعروفة، وعمقه الروحي، والقصص المخبأة في طبقات تاريخه.
\n\nالاكتشاف المعجز للقبر المفقود
\n\nأعظم أسرار جامع أيوب سلطان هو بلا شك قصة اكتشاف قبر خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري. ظل قبر هذا الصحابي الجليل الذي توفي أثناء حصار القسطنطينية عام 669 مفقوداً لما يقارب 800 عام.
\n\nتروي الروايات أن فاتح سلطان محمد عندما فتح القسطنطينية عام 1453، طلب من أستاذه آق شمس الدين العثور على هذا القبر. وبعد بحث روحي طويل واكتشاف، حدد آق شمس الدين موقع القبر. وتنقل المصادر أنه عندما أشار آق شمس الدين إلى الموقع، عُثر عند الحفر على لوحة مكتوب عليها 'هذا قبر أبي أيوب الأنصاري'.
\n\nكان هذا الاكتشاف حدثاً تاريخياً أكمل البعد الروحي لفتح القسطنطينية وعزز شرعية العثمانيين في هذه الأراضي.
\n\nثلاثة حصارات، مدينة واحدة
\n\nقدوم أبي أيوب الأنصاري إلى القسطنطينية يشكل في الواقع إحدى أكثر الصفحات إثارة في التاريخ الإسلامي. حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): 'لتُفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش' أبقى اهتمام المسلمين بالقسطنطينية حياً لقرون.
\n\nانضم أبو أيوب الأنصاري إلى الحملة رغم تجاوزه الثمانين من عمره، أملاً في نيل بشارة هذا الحديث. وقبل أن يمرض ويتوفى عند أسوار القسطنطينية، قال في وصيته: 'ادفنوني في أقرب مكان ممكن إلى أرض العدو.' وبناءً على هذه الوصية دُفن جثمانه عند قاعدة الأسوار مباشرة.
\n\nالهندسة الخفية للجامع
\n\nيمكن للعين الفاحصة اكتشاف العديد من التفاصيل الرمزية في عمارة جامع أيوب سلطان. القبة الرئيسية للجامع تمثل السماء في علم الكونيات الإسلامي، بينما يشير التصميم المثمن إلى أبواب الجنة الثمانية في الإسلام.
\n\nشجرة الدلب في فناء الجامع قائمة وفقاً للروايات منذ بناء الجامع الأول، وتمتد جذورها قرب القبر. والنافورة في وسط الفناء ترمز أيضاً بتصميمها المثمن إلى أبواب الجنة الثمانية.
\n\nمن المعروف أنه استُخدمت أحدث المعارف الفلكية في ذلك العصر لحساب زاوية القبلة التي يتجه إليها المحراب. قام المعماريون العثمانيون بإجراء رصد شمسي وحسابات رياضية لتحديد اتجاه القبلة.
\n\nقصص خلف الجدران
\n\nأعمال الخط على جدران الجامع كتبها خطاطون مختلفون عبر القرون. كل نقش يعكس الذوق الفني لعصره وهو أشبه بكتاب تاريخ منقوش على الحجر.
\n\nخط آية الكرسي فوق المحراب يُعتبر من أجمل نماذج فن الخط العثماني. وتقول الرواية إن الخطاط الذي كتب هذا العمل كسر قلمه بعد إتمامه قائلاً: 'لن أستطيع أبداً كتابة شيء أجمل من هذا'.
\n\nلوحات البلاط داخل الجامع تحمل أيضاً سراً خاصاً. فأنماط بلاط إزنيق المميزة بالأزرق والأبيض والأحمر ليست للزينة فحسب؛ بل يحمل كل نقش معانٍ رمزية في الفن الإسلامي. الخزامى يمثل التوحيد، والقرنفل يمثل النبي، والرمان يمثل فاكهة الجنة.
\n\nسر تقليد تقليد السيف
\n\nيحظى جامع أيوب سلطان بأهمية كبيرة باعتباره المكان الذي كان السلاطين العثمانيون يتقلدون فيه السيف عند اعتلائهم العرش. استمر هذا التقليد من عثمان غازي حتى آخر سلطان.
\n\nلماذا كان حفل تقليد السيف يُقام في أيوب سلطان ظل موضع نقاش طويل. يشير الباحثون إلى أن إقامته بحضور أبي أيوب الأنصاري، مضيف النبي (صلى الله عليه وسلم)، منح السلطان قوة روحية وشرعية تاريخية.
\n\nفي حفل تقليد السيف، كان السلطان يتقلد سيف عمر بن الخطاب بواسطة شيخ الإسلام. وكان هذا السيف محفوظاً في قسم الأمانات المقدسة بقصر طوب قابي. وبعد الحفل كان السلطان يزور ضريح أيوب سلطان ويدعو.
\n\nمصدر الأجواء الروحانية
\n\nالغالبية العظمى ممن يزورون جامع أيوب سلطان يعبّرون عن شعورهم بسكينة يصعب وصفها وأجواء روحانية في المكان. يعزو أهل التصوف ذلك إلى الفيض الروحاني لأبي أيوب الأنصاري.
\n\nهناك إيمان قوي بين الناس بأن الأدعية المرفوعة في أوقات مباركة مثل صلاة الجمعة وليلة القدر في الجامع مستجابة. منذ قرون يعبّر الناس عن أصدق أمنياتهم في هذا المكان المقدس.
\n\nحارس القرن الذهبي
\n\nموقع جامع أيوب سلطان على ضفة القرن الذهبي ليس محض صدفة. كان القرن الذهبي عبر التاريخ أكثر نقاط إسطنبول استراتيجية، وتولى أيوب سلطان دور الحارس لهذا الممر المائي المقدس.
\n\nوفقاً للروايات القديمة، كانت مياه القرن الذهبي تُعتبر شافية لأنها تجري بحضور أيوب سلطان، وأضفى أهل المنطقة معنىً خاصاً على هذا الماء. حتى اليوم يُعد الجلوس على ضفة القرن الذهبي المطلة على أيوب سلطان والتأمل من أكثر التجارب المفضلة لدى الزوار.
\n\n\n\n
جامع أيوب سلطان ليس مجرد مكان عبادة، بل هو متحف حي يحمل حكمة القرون وفنها وروحانيتها، وكتاب تاريخ عميق، ومصدر سكينة. أفضل طريقة لاكتشاف أسرار هذا المكان المقدس هي زيارته شخصياً وعيش تلك الأجواء الفريدة.