ماذا تحكي نقوش أيوب سلطان؟
12 رمضان 1447 - Eyüp Sultan Camii

جامع أيوب سلطان، باعتباره أحد أقدس الأماكن في إسطنبول، يحمل قيمة تاريخية وروحية كبيرة ليس فقط بجماله المعماري بل أيضاً بما يحمله من كتابات. النقوش على أبواب الجامع وجدرانه وسبلانه وفنائه تحتوي على أجمل نماذج فن الخط العثماني.
\n\nما هي الكتابة؟
\n\nالكتابة مشتقة من الجذر العربي 'كتب' وتشير إلى النصوص المكتوبة على المنشآت. في العمارة العثمانية لا تبيّن الكتابات فقط من بنى المنشأة ومتى ولأي غرض، بل تتضمن أيضاً آيات قرآنية وأحاديث وأدعية. وكتابات جامع أيوب سلطان من أغنى نماذج هذا التقليد.
\n\nنقش باب المدخل الرئيسي
\n\nالنقش على باب المدخل الرئيسي يحمل آثار إعادة البناء الكبرى التي تمت عام 1800 في عهد السلطان سليم الثالث. الجامع الذي تضرر بشدة في زلزال 1766 هدمه سليم الثالث كلياً وأعاد بناءه.
\n\nيتضمن النقش فوق الباب آيات من سورة الفتح: 'إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً'. ترمز هذه الآية إلى الارتباط العميق لأيوب سلطان بفتح إسطنبول.
\n\nفي الجزء السفلي من النقش يُعطى تاريخ إعادة البناء شعراً بحساب الجُمَّل. هذه القصيدة التاريخية لأحد شعراء العصر المشهورين وهي نموذج جميل للتقليد الأدبي العثماني.
\n\nنقش باب الضريح
\n\nالنقش على مدخل ضريح أيوب سلطان من أثمن النقوش التي تبرز الأهمية التاريخية للضريح. يُذكر هنا اسم أبي أيوب الأنصاري ونسبه ومكانته في التاريخ الإسلامي.
\n\nيقرأ النقش: 'هذا مقام أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه'. هذه الكتابة بخط الثلث الجلي من أجمل نماذج فن الخط العثماني.
\n\nعلى جانبي باب الضريح آيات من سورة يس ونصوص صلاة على النبي. اختيار هذه الآيات ليس عشوائياً بل يهدف لتقديم أجواء روحانية للزوار والتأكيد على قدسية المكان.
\n\nنقوش سبيل الفناء
\n\nالسبلان التاريخية في فناء الجامع تحمل أيضاً نقوشاً مهمة. تتضمن هذه النقوش عادةً آيات متعلقة بالماء. أبرزها نقش السبيل الذي يحمل الآية 'وجعلنا من الماء كل شيء حي' (سورة الأنبياء، 30).
\n\nتتضمن نقوش السبلان أيضاً أسماء المحسنين الذين بنوها وتواريخ البناء. هذه النقوش وثائق حية لتقليد الخير والوقف في المجتمع العثماني.
\n\nنقوش المحراب والمنبر
\n\nداخل الجامع كُتبت الآية 37 من سورة آل عمران فوق المحراب: 'كلما دخل عليها زكريا المحراب'. هذه الآية خيار تقليدي يربط مفهوم المحراب بالقرآن مباشرة.
\n\nفوق باب المنبر آيات من سورة الجمعة. ربط هذا المكان المقدس حيث تُلقى الخطب بصلاة الجمعة يُظهر التناسق الدلالي في اختيار النقوش.
\n\nفن الخط والخطاطون
\n\nاستُخدمت أساليب خط مختلفة في نقوش جامع أيوب سلطان. في مقدمتها أنواع الثلث الجلي والنسخ والتعليق والتعليق الجلي. أسلوب كل نقش يعكس مفهوم فن الخط في عصره.
\n\nجزء كبير من نقوش الجامع من أعمال اثنين من أعظم خطاطي الدولة العثمانية: مصطفى راقم أفندي ومحمود جلال الدين أفندي. أثناء إعادة البناء في عهد سليم الثالث كُلف أمهر خطاطي العصر بكتابة هذه النقوش.
\n\nخاصةً النقوش التي كتبها مصطفى راقم أفندي بأسلوب الثلث الجلي تُعتبر من ذرى فن الخط من حيث نسب الحروف والتوازن الجمالي. هذه النقوش أعمال تعليمية لطلاب فن الخط اليوم.
\n\nنقوش الحظيرة
\n\nشواهد القبور في منطقة الحظيرة المحيطة بالجامع هي نقوش بحد ذاتها. تحمل هذه الشواهد اسم المتوفى ولقبه ومهنته وتاريخ وفاته ونصوص أدعية.
\n\nفي بعض شواهد الحظيرة نماذج جميلة من الشعر العثماني وفن التأريخ بحساب الجُمَّل. تشكل هذه الشواهد واحدة من أغنى مجموعات تقليد شواهد القبور العثمانية وتحمل قيمة كتابية كبيرة.
\n\nحفظ النقوش
\n\nنقوش جامع أيوب سلطان تحت حماية المديرية العامة للأوقاف. أثناء أعمال الترميم الدورية تُصلح النقوش مع الحفاظ على أمانتها لشكلها الأصلي.
\n\nبفضل جهود الأرشفة الرقمية الأخيرة، سُجلت صور عالية الدقة للنقوش. وهذا يضمن نقلها للأجيال القادمة.
\n\n\n\n
عند زيارتك لجامع أيوب سلطان، لا تكتفِ بالعبادة؛ تأمل بعناية النقوش فوق الأبواب والكتابات على الجدران والآيات على السبلان. كل واحدة منها رسالة تصل إليك من قرون مضت. هذه النقوش أدعية نُقشت في الحجر، وإيمان تحوّل إلى فن، وإرث حضاري مختوم في التاريخ.