سرّ الرايات: أيوب سلطان وتقليد الراية
26 جمادى الأولى 1448 - Eyüp Sultan Camii

من الكلمات التي تقترن بأيوب سلطان كلمة الراية. فأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يُذكر في التقليد الشعبي بأنه «حامل راية النبي ﷺ»، وكان حي أيوب قرونًا المركز الروحي الذي يتقلّد فيه سلاطين بني عثمان السيف، أي مركز الراية والسلطنة. فما معنى الراية في الإسلام؟ ومن أين جاء لقب أيوب سلطان «حامل الراية»؟ وأين كانت تُحفظ أقدس رايات العثمانيين؟ نروي في هذا المقال سرّ الرايات، مع التمييز بين ما هو موثّق وما هو من الروايات المتداولة.
الراية واللواء والعَلَم
في العربية أكثر من لفظ لما نسمّيه بالتركية «سنجق» أو «بيرق». ففي عهد النبي ﷺ كانت راية الحرب الكبيرة تُسمّى الراية، والعلم الأصغر الذي يدل على الكتيبة وقائدها يُسمّى اللواء. وتذكر كتب الحديث أن راية النبي ﷺ كانت سوداء ولواءه أبيض (سنن الترمذي، كتاب الجهاد 9؛ سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد 20). واستُعملت في التركية العثمانية كلمة «عَلَم» للراية أيضًا، وسُمّي حاملها «علمدار» أو «سنجقدار».
وما زالت كلمة «العَلَم» حاضرة في حياتنا، فحين تنظر إلى قبة جامع أيوب سلطان ومآذنه ترى في أعلاها الحلية الهلالية التي تُسمّى أيضًا «العَلَم». أي إن على قمة كل جامع راية صغيرة تُرى من بعيد وتعلن أن هذا بيت من بيوت الله. فانظر في زيارتك القادمة إلى أهلّة مآذن أيوب سلطان بهذه العين.
رايات النبي ﷺ وحملتها
لم تكن الراية في العهد النبوي قطعة قماش فحسب، بل رمزًا للمسؤولية والوفاء، فلا تُسلَّم ولا يُترك لها أن تسقط. ولذلك كان اختيار من يحملها أمرًا مهمًا عند النبي ﷺ:
- مصعب بن عمير في أحد: حمل مصعب بن عمير الراية يوم أحد واستشهد وهي في يده (ابن هشام، السيرة النبوية). ومصعب هو الصحابي الذي آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري بعد الهجرة، فأخو أيوب سلطان في المؤاخاة من أشهر حملة الرايات في التاريخ الإسلامي.
- علي في خيبر: قال النبي ﷺ يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فأعطاها عليًّا رضي الله عنه (صحيح البخاري، كتاب المغازي 38؛ صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة 32). وكان أبو أيوب في هذه الغزوة، وبات في طريق العودة يحرس خيمة النبي ﷺ حتى الصباح.
- ثلاثة حملة للراية في مؤتة: حمل الراية في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة، واستشهدوا جميعًا، ثم أخذها خالد بن الوليد قبل أن تسقط (صحيح البخاري، كتاب المغازي 44).
وتكشف هذه الأمثلة السرّ الحقيقي للراية: فهي أمانة تُعدّ أغلى من روح حاملها.
لماذا يُلقّب أيوب سلطان بـ«حامل الراية»؟
يُذكر أبو أيوب الأنصاري في التقليد العثماني والشعبي بلقبي «مضيف النبي» و«حامل راية النبي» معًا. وهنا لا بد من تمييز أمين: فكتب السيرة والحديث تصف أبا أيوب قبل كل شيء بأنه الصحابي الذي استضاف النبي ﷺ في بيته، ولا يوجد خبر صريح مشهور بأنه حمل راية النبي ﷺ في غزوة بعينها.
ويمكن فهم هذا اللقب بالمعنى الأوسع للكلمة، فقد شهد أبو أيوب مع النبي ﷺ الغزوات كلها من بدر فما بعدها، ولم يتخلّف عن الغزو بقية حياته، وحمل راية الإسلام وقد جاوز الثمانين حتى بلغ أسوار القسطنطينية. فهو عند أهل إسطنبول صاحب أول راية إسلامية بلغت مدينتهم، واللقب تعبير عن الإجلال لهذا الوفاء. اقرأ سيرته في مقالنا من هو أيوب سلطان؟
السنجق الشريف: أقدس رايات العثمانيين
كانت أقدس رايات العثمانيين «السنجق الشريف»، وهو الراية التي يُعتقد أنها للنبي ﷺ. وبحسب الرواية الشائعة نُقل من دمشق إلى إسطنبول في أواخر القرن السادس عشر، وحُفظ بين الأمانات المقدسة في جناح البردة الشريفة بقصر طوب قابي. ولم يكن يُخرج إلا في أهم الحملات والأيام الاستثنائية في موكب رسمي، يتسلّمه السلطان أو الصدر الأعظم ثم يسير به مع الجيش. ومن المعروف أنه أُخرج للمرة الأخيرة سنة 1914م في بداية الحرب العالمية الأولى.
ونودّ التنبيه إلى خلط شائع: لم يكن السنجق الشريف يُحفظ في أيوب سلطان، بل في قصر طوب قابي، وما زال اليوم بين الأمانات المقدسة. أما مكانة أيوب سلطان في تقليد الراية فهي شيء آخر.
الراية والسيف في أيوب
ارتبطت مكانة أيوب سلطان عند العثمانيين بـالسيف لا بالراية. فقد كان السلاطين يأتون بعد جلوسهم على العرش إلى أيوب سلطان ليتقلّدوا السيف، فيبدأ السلطان الجديد حكمه في حضرة صحابي استضاف رسول الله ﷺ. وانتهت هذه المراسم سنة 1918م بتقلّد السلطان محمد السادس وحيد الدين السيف. راجع مقالنا عن مراسم تقلّد السيف.
وكان موكب تقلّد السيف يصل إلى أيوب عبر القرن الذهبي أو برًّا، ترافقه رايات القصر وفرقته الموسيقية. فأيوب لم يكن موضع حفظ الرايات، بل المكان الذي تصل إليه المواكب السائرة تحتها. وتذكر كتب تاريخ كثيرة أن السلاطين كانوا يزورون أيوب سلطان للدعاء قبل الحملات المهمة.
آثار الراية في أيوب اليوم
- أهلّة المآذن: «الأعلام» التي تعلو قبة جامع أيوب سلطان ومآذنه هي المقابل الحي لكلمة الراية اليوم.
- توديع المجنّدين: زيارة الشباب الذاهبين إلى الخدمة العسكرية أيوب سلطان مع أسرهم امتداد للصلة بين أيوب ومحبة الراية والوطن.
- حملة الرايات والباشوات في المقابر: يرقد في مقابر أيوب التاريخية كثير من رجال الدولة والجنود الذين حملوا الرايات في الجيش العثماني. راجع مقابر أيوب سلطان.
- ذكرى الفتح: كانت الراية التي رُفعت على الأسوار سنة 1453م تحقيقًا للأمل الذي حمله أيوب سلطان قبل ثمانية قرون. راجع أيوب سلطان وفتح إسطنبول.
السرّ الحقيقي للراية
سرّ الراية ليس في قماشها، بل في وفاء حاملها. فمصعب بن عمير لم يُفلتها من يده، وحملة الراية في مؤتة لم يتركوها تسقط، وأبو أيوب الأنصاري حمل حياته كلها كأنها راية: فتح بابه لرسول الله ﷺ ولم يحِد عن طريقه من بعده. وكل من يزور أيوب سلطان إنما يزور ذكرى هذا الوفاء.
ولأسرار أيوب سلطان الأخرى بين الأمس واليوم اقرأ مقالنا سرّ جامع أيوب سلطان، ولزيارتك راجع دليل زيارة الضريح.