عشر وقفات مؤثرة من حياة أيوب سلطان
26 جمادى الأولى 1448 - Eyüp Sultan Camii

يُنقل عن الحسن البصري، وهو من التابعين الذين أدركوا الصحابة، قول معناه: لو رآكم أصحاب رسول الله ﷺ لتعجّبوا منكم، ولو رأيتموهم لتعجّبتم منهم. ولكي نفهم معنى هذا القول يكفي أن ننظر في حياة أيوب سلطان، أي أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. وقد روينا سيرته كاملة في مقالنا من هو أيوب سلطان؟، أما في هذا المقال فجمعنا عشر وقفات من تلك الحياة، والدروس التي ما زالت تهدينا اليوم.
1. أن تفتح الباب: «المرء مع رحله»
لما دخل النبي ﷺ المدينة كان الجميع يريد أن يستضيفه، فطلب منهم أن يُخلّوا سبيل ناقته، فبركت في الموضع الذي يقوم عليه المسجد النبوي اليوم. فبادر أبو أيوب إلى حمل رحل النبي ﷺ إلى بيته، ولما ألحّ آخرون في دعوته قال ﷺ إنه سينزل حيث رحله (ابن هشام، السيرة النبوية). وبهذه الضيافة التي دامت نحو سبعة أشهر خُلّد اسم أبي أيوب «مضيفًا لرسول الله ﷺ».
الدرس: المبادرة حين يُفتح باب الخير. فلم يتردد أبو أيوب، بل رأى الفرصة فبادر إليها.
2. لا يطيقان النوم في الطابق العلوي
كان بيت أبي أيوب من طابقين، فأراد النبي ﷺ أن ينزل في الطابق السفلي لكثرة من يغشاه من الناس. أما أبو أيوب وزوجه أم أيوب فقد تحرّجا أن يمشيا فوق رسول الله ﷺ حتى لم يهنأ لهما نوم. وانكسرت ليلةً جرّة ماء، فقاما يجففان الماء بلحافهما الوحيد لئلا يقطر على النبي ﷺ. ولما أصبح ألحّ أبو أيوب على النبي ﷺ حتى انتقل إلى الطابق العلوي (صحيح مسلم، كتاب الأشربة 171).
الدرس: المحبة تُعاش بالأدب. فقد صارت محبة أبي أيوب حرصًا على ألا يُصيب حبيبَه أدنى أذى.
3. يأكل من موضع أصابعه
كانت أسرة أبي أيوب ترسل الطعام إلى النبي ﷺ، فإذا رُدّ الإناء تتبّعوا موضع أصابعه فأكلوا منه تبرّكًا. وأرسلوا يومًا طعامًا فيه ثوم فردّه النبي ﷺ دون أن يأكل منه، فسأله أبو أيوب فزعًا: «أحرام هو؟» فقال ﷺ إنه ليس بحرام، ولكنه يكره ريحه لأنه يناجي ملك الوحي. فقال أبو أيوب: «فإني أكره ما تكره» (صحيح مسلم، كتاب الأشربة 171).
الدرس: المحبة أن تحب ما يحبه حبيبك، وأن تبتعد عمّا يكرهه.
4. الحارس عند الباب
في طريق العودة من خيبر خرج النبي ﷺ ذات صباح من خيمته فوجد أبا أيوب عند الباب متقلّدًا سيفه، فسأله عمّا يصنع، فقال إنه بات يحرسه حتى الصباح خشية أن يُصيبه العدو بسوء. فرفع النبي ﷺ يديه وقال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني» (ابن هشام، السيرة النبوية).
الدرس: الخدمة التي تُؤدّى حين لا يراك أحد يجزي الله عليها أحسن الجزاء، وقد رافقت هذه الدعوة أبا أيوب طوال عمره.
5. الوقوف في وجه الشائعة
في حادثة الإفك، حين اضطربت المدينة بالافتراء على عائشة رضي الله عنها، همّت أم أيوب أن تتحدث في الأمر، فسألها أبو أيوب على الفور: «لو كنتِ مكان عائشة أكنتِ فاعلةً ذلك؟» قالت: «لا والله»، فقال: «فعائشة والله خير منك». وفي الآية الثانية عشرة من سورة النور يأمر القرآن المؤمنين في مثل هذا الموقف بأن يظنوا بأنفسهم خيرًا.
الدرس: الكلمة تُوقَف قبل أن تنتشر، وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نسأله اليوم قبل أن نضغط زر المشاركة على وسائل التواصل.
6. الرحلة إلى مصر من أجل حديث واحد
رحل أبو أيوب وهو شيخ كبير من المدينة إلى مصر ليتثبّت من حديث سمعه من النبي ﷺ عند عقبة بن عامر الذي سمعه أيضًا، فلما سمعه منه رجع إلى المدينة من فوره (مسند الإمام أحمد). وكان الحديث في أن من ستر مؤمنًا ستره الله يوم القيامة. وتُعدّ هذه الرحلة من أجمل أمثلة «الرحلة في طلب الحديث».
الدرس: العلم الصحيح يحتاج إلى جهد، فقبل أن تنسب قولًا إلى النبي ﷺ تحقّق من أنه قاله حقًّا.
7. الاعتراض على تأخير صلاة المغرب
مرّ أبو أيوب بمصر غازيًا، فأخّر الوالي عقبة بن عامر صلاة المغرب، فقام إليه أبو أيوب وقال: «ما هذه الصلاة؟» وذكّره بقول النبي ﷺ: «لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (سنن أبي داود، كتاب الصلاة 6).
الدرس: التمسّك بالسنة أن تقول الحق بأدب أيًّا كان من أمامك.
8. الفهم الصحيح لآية ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
في حصار القسطنطينية حمل رجل من المسلمين وحده على صفوف العدو، فقال بعض الناس: «ألقى بيده إلى التهلكة». فبيّن أبو أيوب أن الآية (البقرة: 195) نزلت في الأنصار، إذ همّوا لما أعزّ الله الإسلام أن يقيموا في أموالهم وبساتينهم ويدَعوا الإنفاق والجهاد في سبيل الله، فكان ذلك هو التهلكة (سنن أبي داود، كتاب الجهاد 22).
الدرس: الخطر الحقيقي أن يركن الإنسان إلى الراحة ويقعد عن الخير.
9. مجاهد جاوز الثمانين
قال النبي ﷺ: «لتُفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» (مسند الإمام أحمد). وبعد هذه البشارة بسنوات طويلة، لما خرج جيش إلى القسطنطينية في العهد الأموي، كان أبو أيوب قد جاوز الثمانين، ومع ذلك لم يجعل سنّه عائقًا وخرج مع الجيش. وتذكر المصادر أنه كان بعد وفاة النبي ﷺ يخرج في الغزو كل عام تقريبًا. ومرض أثناء الحصار فأوصى أن يُدفن في أبعد موضع يبلغونه من أرض العدو (ابن سعد، الطبقات).
الدرس: لا تقاعد من خدمة الخير. فبينما يحلم كثيرون اليوم بأن يقضوا آخر سنواتهم في الراحة وحدها، أسلم أبو أيوب أنفاسه الأخيرة في طريق الخير.
10. أن يختار الرقاد بعيدًا
كان بوسع أبي أيوب أن يموت في المدينة، مدينة رسول الله ﷺ، بين أهله، لكنه أودع قبره عند أسوار القسطنطينية، على باب مدينة لم يُسمع فيها الأذان بعد. وبعد ثمانية قرون، سنة 1453م، فُتحت المدينة، فوجد آق شمس الدين قبره، وبنى السلطان محمد الفاتح عليه ضريحًا وبجانبه جامعًا. وأكثر الأماكن الروحية زيارةً في إسطنبول اليوم ثمرة تلك الوصية. ولقصة اكتشاف القبر راجع مقالنا آق شمس الدين واكتشاف القبر.
الدرس: بعض البذور تنبت في زمن لا يراه زارعها، وخطوة صادقة قد تغيّر مصير مدينة بعد قرون.
المحبة تُثبت بالطريق لا بالكلام
قال النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» (صحيح البخاري، كتاب الأدب 96؛ صحيح مسلم، كتاب البر 165). وحياة أبي أيوب تُرينا كيف تُعاش هذه الكلمة، فقد أحبّ النبي ﷺ لا بلسانه وعقله فحسب، بل ببيته وماله ووقته، ثم بحياته في النهاية. وحين نزور أيوب سلطان فإن تذكّر الطريقة التي عاش بها هذه المحبة هو الربح الحقيقي للزيارة.
لتخطيط زيارتك راجع دليل مواعيد زيارة الضريح وآدابها، ولأسرار أيوب سلطان الأخرى اقرأ سرّ جامع أيوب سلطان.