اثنا عشر حديثًا من رواية أبي أيوب الأنصاري: وصايا من بيت النبي ﷺ في المدينة
06 نوفمبر 2026 - Eyüp Sultan Camii

يعرف أكثر زوار أيوب سلطان صاحبَ هذا المقام بأنه الصحابي الذي استضاف النبي ﷺ في بيته بالمدينة. غير أن من أبقى ما تركه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه للأمة، ولعله أقلّه شهرة، تلك الأحاديث التي وصلت إلينا من طريقه. فقد نزل النبي ﷺ بعد الهجرة في بيته نحو سبعة أشهر، فرآه أبو أيوب في تلك الأشهر عن قرب كل يوم: على مائدته، وفي صلاته، وهو يستقبل ضيوفه. ثم لم يتخلّف بعد ذلك عن غزوة من الغزوات منذ بدر. فجعلته هذه الصحبة القريبة شاهدًا أمينًا على أقوال النبي ﷺ وهديه.
جمعنا في هذه المقالة اثني عشر حديثًا من مرويات أبي أيوب مع مصادرها، ووقفنا بعد كل حديث وقفة قصيرة نتأمل فيها ما يدعونا إليه اليوم، راجين أن تتذكر حين تقف عند ضريحه أن هذه الكلمات وصلت إليك من ذلك الباب نفسه.
كم حديثًا روى أبو أيوب؟
تذكر كتب الحديث لأبي أيوب الأنصاري أكثر من مئة وخمسين رواية، منها ما في صحيحي البخاري ومسلم، ومنها ما في الأصول الأخرى كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومسند الإمام أحمد. وروى عنه من الصحابة البراء بن عازب وزيد بن خالد الجهني وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعطاء بن يزيد الليثي. فقد كان لقوله وزن في حلقات العلم بالمدينة.
١. العمل الذي يُدخل الجنة
أخذ أعرابيٌّ في سفرٍ بخطام ناقة النبي ﷺ وقال: أخبرني بما يقرّبني من الجنة ويباعدني من النار، فقال رسول الله ﷺ:
«تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» (البخاري، كتاب الزكاة ١؛ مسلم، كتاب الإيمان ١٢-١٤)
واللافت أن صلة الرحم ذُكرت في هذه القائمة القصيرة لطريق الجنة إلى جانب الصلاة والزكاة، فاجتمع حق الله وحق العباد في جملة واحدة.
٢. ستٌّ من شوال
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (مسلم، كتاب الصيام ٢٠٤)
وقد فسّره العلماء بأن الحسنة بعشر أمثالها: فشهر رمضان بعشرة أشهر، والأيام الستة بشهرين. ويذكّرنا الحديث بأن العبادة لا تنتهي حيث ينتهي رمضان، وأن الخير الذي كُسب فيه ينبغي أن يُستدام.
٣. لا هجر فوق ثلاث
«لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (البخاري، كتاب الأدب ٦٢؛ مسلم، كتاب البر ٢٥)
يقرّ النبي ﷺ بأن الخصام من طبيعة البشر، لكنه يجعل له حدًّا. ثم يجعل عبء الصلح لا على صاحب الحق، بل على من يبادر: فخيرهما الذي يبدأ بالسلام. ورسالة واحدة إلى من خاصمته هي أيسر طريق لتعيش هذا الحديث اليوم.
٤. ذكرٌ يعدل عتق أربع رقاب
«مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (البخاري، كتاب الدعوات ٦٤؛ مسلم، كتاب الذكر ٣٠)
وتحرير الإنسان من أعظم القربات في الإسلام، فيبشّرنا هذا الحديث بأن دقائق من الذكر الصادق قد يكون لها عند الله هذا القدر العظيم. ولما يُقرأ من أدعية عند الزيارة انظر مقالتنا الأدعية والسور التي تُقرأ عند ضريح أيوب سلطان.
٥. صلاة مودِّع
سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ موعظة موجزة، فقال:
«إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» (ابن ماجه، كتاب الزهد ١٥؛ مسند أحمد)
هذه الموعظة ذات الجمل الثلاث كأنها خلاصة عمر: خشوع في الصلاة، وحذر في اللسان، وقلب لا يتعلق إلا بالله. والصلاة التي تُؤدّى بخاطر «لعلها آخر صلاتي» توقظ الإنسان تجاه الدنيا وتجاه نفسه.
٦. ثلث القرآن في ليلة
سأل النبي ﷺ أصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ فشقّ ذلك عليهم، فقال:
«مَنْ قَرَأَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ، فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» يعني سورة الإخلاص (الترمذي، كتاب فضائل القرآن ١١)
وفسّره العلماء بأن سورة الإخلاص جمعت التوحيد، وهو من أعظم مقاصد القرآن، في أكثف صوره. سورة قصيرة، وإقرار عميق.
٧. صلاة الوتر
«الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» (أبو داود، كتاب الوتر؛ النسائي، كتاب قيام الليل؛ ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة)
يؤكد الحديث أهمية ألّا يُترك قيام الليل بلا ختام. وقد نشأ اختلاف المذاهب في عدد ركعات الوتر وحكمه في جانب كبير منه من النظر في مثل هذه الروايات. وفي المذهب الحنفي المتّبع في تركيا يُصلّى الوتر ثلاث ركعات، وحكمه الوجوب.
٨. أربع من سنن المرسلين
«أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ» (الترمذي، كتاب النكاح ١)
في هذه القائمة يجتمع الباطن والظاهر: فالحياء زينة القلب، والنظافة والطيب زينة البدن، والنكاح نظام الحياة. وطريق الأنبياء أن يُحسَّن الإنسان من كل جوانبه معًا.
٩. لا تفرّقوا بين الأم وولدها
«مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (الترمذي، كتاب البيوع ٥٢)
أرسى هذا الحديث، في زمنٍ كان الرق فيه شائعًا، مبدأً من مبادئ الرحمة يمنع أن تُفصل الأم عن صغيرها عند البيع. وروحه باقية اليوم: فأن يكون المرء سببًا في تفرّق أسرة مسؤوليةٌ ثقيلة عند الله.
١٠. تعظيم القبلة
«إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا» (البخاري، كتاب الوضوء ١١؛ مسلم، كتاب الطهارة ٥٩)
وقد حرص أبو أيوب على ذلك طوال حياته، فقال: «فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى» (البخاري، كتاب الصلاة ٢٩). وتُظهر هذه التفصيلة الصغيرة كيف حمل كلمة سمعها من النبي ﷺ إلى أبسط لحظات الحياة.
١١. الجمع بمزدلفة
كان أبو أيوب مع النبي ﷺ في حجة الوداع، وأخبر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ» (البخاري، كتاب الحج ٩٦)
وهذه الرواية من الأصول التي تقوم عليها مناسك الحج إلى اليوم. فحين ينزل الحجاج من عرفات إلى مزدلفة ويجمعون المغرب والعشاء، فإنهم يواصلون شهادة أبي أيوب.
١٢. رحلة إلى مصر من أجل حديث واحد
أجمل ما يصوّر تعلّق أبي أيوب بحديث رسول الله ﷺ رحلةٌ قام بها في كبره. فقد خرج من المدينة إلى مصر ليسمع مرة أخرى، ويتثبّت، حديثًا لم يبقَ ممن سمعه معه من النبي ﷺ غير عقبة بن عامر. فروى له عقبة الحديث:
«مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى عَوْرَةٍ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (مسند أحمد)
فلما سمعه أبو أيوب قال: صدقت، ثم انصرف إلى راحلته فركبها راجعًا إلى المدينة ولم يمكث في البلد. وقد دوّن علماء الحديث هذه القصة في كتبهم من أجمل أمثلة الرحلة في طلب العلم. ومما يزيدها معنى أن الحديث كان في الستر: فقد قطع أبو أيوب الصحراء ليتعلّم قيمة ستر عيوب أخيه.
ماذا تقول لنا هذه الأحاديث؟
إذا نظرنا في مرويات أبي أيوب مجتمعة بدت لنا روح واحدة: العبادة والأخلاق لا تنفصلان أبدًا. فإلى جانب الخشوع في الصلاة وصيام الست من شوال والوتر، تقف دائمًا علاقات الناس: إنهاء الهجر، وصلة الرحم، وحماية الأسرة، وستر العيوب. وهذا أيضًا انعكاس لما رآه أكثر ما رآه صحابيٌّ استضاف النبي ﷺ في بيته.
وحين تزور ضريح أيوب سلطان، يمكنك أن تختار واحدًا من هذه الأحاديث وتعزم على أن تعيشه في يومك: أن تصالح من خاصمته، أو تستر عيبًا، أو تصلّي صلاة مودّع. ولآداب الزيارة سيرشدك دليلنا مواعيد زيارة الضريح وقواعدها وآدابها.
ملاحظة قصيرة عن المصادر
أُحيل في تخريج أحاديث هذه المقالة إلى الكتب الستة ومسند الإمام أحمد. وقد تختلف أرقام الأبواب والأحاديث اختلافًا يسيرًا بين الطبعات. وبعض روايات الترمذي وابن ماجه حكم عليها أهل الحديث بأنها «حسنة». وفي مسائل الفقه ننصح بالرجوع إلى عالم موثوق.
ولسيرة أبي أيوب الأنصاري كاملة اقرأ من هو أيوب سلطان؟، ولمشاهد مؤثرة من حياته عشر وقفات مؤثرة من حياة أيوب سلطان، وللأيام التي استضاف فيها النبي ﷺ مضيف رسول الله ﷺ: أيوب سلطان.