لماذا جاء أبو أيوب الأنصاري إلى إسطنبول؟
26 جمادى الأولى 1448 - Eyüp Sultan Camii

تفصل بين المدينة المنورة وإسطنبول نحو ثلاثة آلاف كيلومتر، تقطعها الطائرة اليوم في ساعات، لكنها كانت في القرن السابع رحلة شاقة تستغرق أشهرًا عبر الصحاري والجبال والبحار. وقد قطع أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، مضيف النبي ﷺ في المدينة، هذا الطريق وقد جاوز الثمانين، ولفظ أنفاسه الأخيرة أمام أسوار إسطنبول. فما الذي جاء به إلى هذه المدينة البعيدة وكان بوسعه أن يعيش آمنًا في مدينة رسول الله ﷺ بين أهله؟ نبحث في هذا المقال عن الجواب في ضوء المصادر.
الجواب باختصار
جاء أبو أيوب الأنصاري مع الجيش الذي أُرسل في العهد الأموي، بين سنتي 49 و52 للهجرة (669-672م)، إلى القسطنطينية (إسطنبول) عاصمة الروم. وأهم الأسباب التي دفعته إلى هذه الغزوة:
- بشارات النبي ﷺ بالجيش الذي يغزو مدينة قيصر والجيش الذي يفتح القسطنطينية،
- عزمه طوال حياته على ألا يتخلّف عن الغزو في سبيل الله،
- فهمه للقرآن، إذ كان يرى أن التهلكة الحقيقية في الركون إلى الراحة وترك الجهاد.
1. أن يكون له نصيب من البشارة
أول الأسباب وأقواها التي جذبت أبا أيوب إلى إسطنبول بشارات النبي ﷺ. ومنها ما رواه البخاري في صحيحه، إذ نام النبي ﷺ في بيت أم حرام بنت ملحان ثم استيقظ يبتسم وقال: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (صحيح البخاري، كتاب الجهاد 93). وقيصر لقب إمبراطور الروم، ومدينته عاصمة الإمبراطورية القسطنطينية.
والبشارة الثانية الحديث المشهور في مسند الإمام أحمد: «لتُفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» (مسند الإمام أحمد). وقد اختلف المحدّثون في الحكم على إسناده، لكنه ظل قرونًا من أقوى مصادر شوق المسلمين إلى إسطنبول.
وكان أبو أيوب صحابيًا سمع هذه البشارات من النبي ﷺ أو من أقرب الناس إليه، فأن يكون في جيش قال عنه النبي ﷺ «مغفور لهم» فرصة لا يفرّط فيها مهما بلغت سنّه.
2. سنّة الغزو طوال العمر
شهد أبو أيوب مع النبي ﷺ الغزوات كلها من بدر فما بعدها، ولم يترك هذا الطريق بعد وفاته ﷺ. وتذكر المصادر أنه كان يخرج في الغزو كل عام تقريبًا، وأنه شارك في جيوش الفتوح في عهدي عمر وعثمان رضي الله عنهما. فالخروج في سبيل الله عنده سنّة تعلّمها من النبي ﷺ وحافظ عليها طوال عمره.
ومن هذه الزاوية لم تكن غزوة القسطنطينية استثناءً في حياة أبي أيوب، بل المحطة الأخيرة في رحلة امتدت عمره كله. لقد كبرت سنّه، لكنه كان يؤمن بأن قدر الله لا سنّه هو الذي يحدد متى ينتهي هذا الطريق.
3. الفهم الصحيح لآية ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
أبلغ ما يفسّر مجيء أبي أيوب إلى إسطنبول كلمات قالها أمام الأسوار نفسها. ففي أثناء الحصار حمل رجل من المسلمين وحده على صفوف الروم، فتلا بعض الناس الآية 195 من سورة البقرة وقالوا: «ألقى بيده إلى التهلكة». فاعترض أبو أيوب على الفور وبيّن أن الآية نزلت في الأنصار، إذ همّوا لما أعزّ الله الإسلام أن يقيموا في أموالهم وبساتينهم ويدَعوا الإنفاق والجهاد في سبيل الله، فنزلت لتبيّن أن ذلك هو التهلكة (سنن أبي داود، كتاب الجهاد 22؛ سنن الترمذي، كتاب التفسير).
ويلخّص هذا البيان رؤية أبي أيوب للحياة: فالخطر الحقيقي عنده ليس في الوقوف أمام العدو، بل في الركون إلى الراحة وترك المسؤولية. ومجيئه إلى إسطنبول في الثمانين كان هذا الفهم مطبّقًا في الواقع.
4. الخلفية التاريخية: حملات الأمويين على القسطنطينية
كانت الغزوة التي شارك فيها أبو أيوب جزءًا من جهد عسكري كبير ضد الروم في عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان. وكانت القسطنطينية من أقوى مدن ذلك العصر وأحصنها، تُعدّ بأسوارها البرية والبحرية وأسطول الروم شبه منيعة. فأرسل معاوية جيشًا إليها بقيادة ابنه يزيد، وتضع أكثر المصادر هذه الحملة بين سنتي 49 و52 للهجرة (669-672م)، ثم تلاها حصار أطول بين سنتي 674 و678م.
وشارك في هذه الحملات عدد كبير من الصحابة، ويُذكر منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وكان أبو أيوب من أكبرهم سنًّا وأجلّهم قدرًا.
5. الوصية الأخيرة: لماذا عند الأسوار؟
مرض أبو أيوب أثناء الحصار، فعاده القائد يزيد وسأله عن حاجته، فأوصى أن يُدفن في أبعد موضع يبلغونه من أرض العدو (ابن سعد، الطبقات). فلما توفي نُفّذت وصيته ودُفن قرب الأسوار.
وتكشف هذه الوصية مرة أخرى سبب مجيئه إلى إسطنبول، فقد أدرك أبو أيوب أنه لن يشهد الفتح الموعود في حياته، لكنه أراد أن يكون بجسده في أقرب موضع منه. وظل قبره قرونًا عند الأسوار علامة صامتة على الأمل. وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الروم أنفسهم عظّموا قبره واستسقوا عنده في أوقات القحط.
6. بعد ثمانية قرون: ثمرة الوصية
بعد نحو ثمانية قرون من وفاة أبي أيوب فتح السلطان محمد الفاتح إسطنبول سنة 1453م، فحدّد شيخه آق شمس الدين قبر أبي أيوب، وبنى الفاتح عليه ضريحًا وبجانبه جامعًا سنة 1458م. فكان أول مجمع كبير أُسّس في إسطنبول بعد الفتح يحمل اسم هذا الصحابي. اقرأ قصة الاكتشاف في آق شمس الدين واكتشاف القبر.
وتقلّد سلاطين بني عثمان السيف في أيوب سلطان عند جلوسهم على العرش، ومناداة أهل إسطنبول له بـ«سلطان»، وكون ضريحه اليوم أكثر الأماكن الروحية زيارةً في المدينة، كلها أبواب فتحها مجيئه إلى إسطنبول بعد قرون.
الدرس الباقي
ليس مجيء أبي أيوب الأنصاري إلى إسطنبول قصة حملة عسكرية فحسب، بل هو قصة إيمان ببشارة، وفهم للخدمة لا يجعل السنّ عائقًا، وشجاعة في غرس بذرة خير لن يرى صاحبها ثمرتها. وكل من يزور أيوب سلطان اليوم إنما يزور المحطة الأخيرة من تلك الرحلة الطويلة.
ولسيرة أيوب سلطان كاملة اقرأ من هو أيوب سلطان؟، ولمكانته في الفتح أيوب سلطان وفتح إسطنبول، ولوقفات من حياته عشر وقفات مؤثرة.
أسئلة شائعة
متى جاء أيوب سلطان إلى إسطنبول؟
جاء مع الجيش الذي قاده يزيد بن معاوية في العهد الأموي، بين سنتي 49 و52 للهجرة (669-672م).
كم كان عمره حين جاء إلى إسطنبول؟
تذكر المصادر أنه كان قد جاوز الثمانين، وفي عمره الدقيق روايات مختلفة.
لماذا لم يعد إلى المدينة؟
مرض وتوفي أثناء الحصار، ودُفن بوصيته في أبعد موضع بلغه الجيش قرب أسوار إسطنبول.
هل حديث فتح القسطنطينية صحيح؟
حديث «لتُفتحنّ القسطنطينية» في مسند الإمام أحمد، وللعلماء في إسناده أقوال مختلفة. أما حديث «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» ففي صحيح البخاري.