غزوات أيوب سلطان وحارس النبي ﷺ
26 جمادى الأولى 1448 - Eyüp Sultan Camii

عُرف أيوب سلطان، أي أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قبل كل شيء بأنه الصحابي الذي استضاف النبي ﷺ في بيته بالمدينة. لكن وفاءه للنبي ﷺ لم يقف عند باب بيته، بل امتد إلى ميادين القتال. فتذكر المصادر أنه شهد مع النبي ﷺ الغزوات كلها من بدر فما بعدها، ولم يكن يفارقه في المعارك، وكان يبيت بعض الليالي يحرس خيمته. نروي في هذا المقال مسيرة أبي أيوب في الغزوات، وقصة تذكّره بـ«حارس النبي ﷺ».
ما الغزوة؟
تُسمّي كتب السيرة الحملات التي خرج فيها النبي ﷺ بنفسه غزوات، والتي أرسلها مع قائد يعيّنه دون أن يخرج فيها سرايا. وأعظم شرف في حياة أبي أيوب أنه لم يتخلّف عن غزوة من غزوات النبي ﷺ.
بدر (624م): في أهل بدر
كانت غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة أول مواجهة كبرى بين المسلمين ومشركي مكة، فانتصر الجيش المسلم القليل العدد نصرًا عظيمًا بعون الله. ويُسمّى من شهدها «أهل بدر»، ولهم في التاريخ الإسلامي منزلة رفيعة، وقد بشّر النبي ﷺ بأن الله غفر لهم (صحيح البخاري، كتاب المغازي 9). وكان أبو أيوب من هذه الطائفة المباركة.
أحد (625م): الغزوة التي فقد فيها أخاه
كانت أحد امتحانًا عسيرًا للمسلمين، إذ تغيّر مسار المعركة حين ترك الرماة مواقعهم، واستشهد كثير من الصحابة. وكان منهم مصعب بن عمير الذي لم يترك الراية تسقط، وهو الذي آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي أيوب بعد الهجرة. فقاتل أبو أيوب يوم أحد بجوار النبي ﷺ، وفقد فيه أخاه في المؤاخاة.
الخندق (627م): خدمة بالمعول
في السنة الخامسة للهجرة حاصر مشركو مكة وحلفاؤهم المدينة بجيش عظيم، فدافع المسلمون عنها بحفر خندق في جهتها المكشوفة. وكان النبي ﷺ ينقل التراب مع أصحابه ويدعو معهم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» (صحيح البخاري، كتاب المغازي 29). وكان أبو أيوب من الأنصار الذين حفروا الخندق.
خيبر (628م): الحارس عند الخيمة
أشهر ذكريات أبي أيوب في الغزوات كانت في طريق العودة من خيبر. فبعد فتحها تزوّج النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، أحد زعماء خيبر، وكان أبوها وأقاربها قد قُتلوا في القتال، فخشي أبو أيوب أن ينال النبيَّ ﷺ من ذلك سوء. فتقلّد سيفه تلك الليلة وبات يطوف حول خيمة النبي ﷺ يحرسه حتى الصباح.
فلما خرج النبي ﷺ صباحًا ورأى أبا أيوب عند الباب سأله عمّا يصنع، فلما ذكر له خشيته دعا له ﷺ: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني» (ابن هشام، السيرة النبوية).
وفي حديث آخر يبيّن النبي ﷺ فضل الحراسة في سبيل الله: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (سنن الترمذي، كتاب فضائل الجهاد 12). وقد حرس أبو أيوب على باب النبي ﷺ نفسه. ويعزو أهل إسطنبول إلى بركة دعاء النبي ﷺ في ذلك الصباح بقاء قبره محفوظًا ثمانية قرون عند الأسوار ثم اكتشافه.
فتح مكة (630م): نصر بلا دماء
في السنة الثامنة للهجرة دخل النبي ﷺ مكة بجيش عظيم، ففُتحت المدينة التي أخرجت المسلمين من ديارهم دون أن يُراق فيها دم يُذكر، وعفا النبي ﷺ عن أعدائه السابقين. وكان أبو أيوب، الذي استضاف النبي ﷺ بعد هجرته من مكة قبل ثماني سنين، في الجيش الذي دخل معه مكة.
حنين (630م): عودة الأنصار
في بداية غزوة حنين، التي وقعت بعد فتح مكة بقليل، تعرّض الجيش المسلم لكمين فتفرّق، فثبت النبي ﷺ في مكانه وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (صحيح البخاري، كتاب الجهاد 52)، ثم نادى أصحابه، وخاصة الأنصار، فأسرع الأنصار إلى ندائه وتغيّر مسار المعركة. وكان أبو أيوب من الأنصار الذين أسرعوا إلى نداء النبي ﷺ.
تبوك (630م): جيش العسرة
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة في حرّ الصيف وعلى طريق طويل شاق، ولذلك سُمّي جيشها «جيش العسرة». وقد تخلّف عنها كثير من المنافقين بالأعذار الكاذبة، لكن أبا أيوب شهدها أيضًا.
بعد النبي ﷺ: حتى النفس الأخير
لم يترك أبو أيوب هذا الطريق بعد وفاة النبي ﷺ، فشارك في جيوش الفتوح في عهد الخلفاء الراشدين، وكان إلى جانب علي رضي الله عنه في خلافته. وتذكر المصادر أنه كان يخرج في الغزو كل عام تقريبًا حتى آخر حياته. وكانت المحطة الأخيرة غزوة القسطنطينية التي خرج فيها وقد جاوز الثمانين، فتوفي هناك ودُفن بوصيته عند الأسوار. وقد روينا قصة هذه الرحلة الأخيرة في لماذا جاء أبو أيوب الأنصاري إلى إسطنبول؟
درس الحارس
تُرينا حياة أبي أيوب في الغزوات كيف تُعاش المحبة، فلم يكتفِ باستضافة النبي ﷺ في بيته بالمدينة، بل لم يفارقه في المعارك، وحرسه وهو نائم. ومن يزور ضريح أيوب سلطان اليوم إنما يزور قبر حارس بات ذات ليلة ساهرًا حتى الفجر عند خيمة رسول الله ﷺ.
ولسيرة أبي أيوب كاملة اقرأ من هو أيوب سلطان؟، ولوقفات أخرى من حياته عشر وقفات مؤثرة، وعن رايات النبي ﷺ سرّ الرايات.